وهبة الزحيلي
188
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قال المفسرون : استأذن موسى عليه السلام شعيبا في الرجوع إلى والدته ، فأذن له ، فخرج ، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة ، وكانت ليلة الجمعة ، وقد حاد عن الطريق ، فقدح موسى عليه السلام النار ، فلم تور المقدحة شيئا ، فبينا هو يزاول ذلك ، إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق ، فظن أنها نار من نيران الرعاة ، من جانب جبل الطور الواقع عن يمينه « 1 » ، كما قال تعالى : إِذْ رَأى ناراً ، فَقالَ لِأَهْلِهِ : امْكُثُوا ، إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي هل أتاك خبر موسى حين رأى نارا ، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا من مدين إلى مصر ، والصحيح كما قال الرازي أنه رأى نارا ، لا تخيل نارا ، ليكون صادقا في خبره ؛ إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء . فقال لزوجه وولده وخادمه مبشرا لهم : أقيموا مكانكم ، إني رأيت نارا من بعيد ، لعلني أوافيكم منها بشعلة مضيئة أو بشهاب ، أو جذوة كما في آية أخرى ، لعلكم تستدفئون ( أو تصطلون ) بها ، مما يدل على وجود البرد ، أو أجد عند النار من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها ، كما قال تعالى : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ القصص 28 / 29 ] . والهدى : ما يهتدى به ، وهو اسم مصدر ، فكأنه قال : أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة . ومعنى الاستعلاء على النار : أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها ، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ : يا مُوسى ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً أي فلما أتى النار التي آنسها ، واقترب منها نودي من قبل الرب تبارك وتعالى ، كما قال : نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ
--> ( 1 ) تفسير الرازي 21 / 15